محمد الحضيكي
601
طبقات الحضيكي
[ 459 ] فلما حان بلوغه / وهو ما زال في المكتب ، أشرق باطنه بنور التوحيد ، وارتدى بأحوال القوم ، واضمحل عنه غير ذلك ، وانخرط في سلك الشيخ المجذوب ، وكان أول شيء فاجأه أنه يقرأ في المكتب ، فكتب في أوجه : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً « 1 » إلى آخره . ثم ذهب ورجع فلم يجد في نفسه متسعا لقراءة ولا غيرها إلا لزيارة سيدي عبد الرحمن المجذوب ، ولم ير في اللوح إلا ذلك ، قيل : إنه رآه فيه مكتوبا بالنور ، فسأل بعض جيرانه عنه ، فإذا بصاحبه سيدي محمد بن علي النيار الأندلسي ، فقال له : يا بني ، ذلك شيخنا ، ونحن ننتظره يأتينا قريبا ، ونبيت معه عند فلان . فقال له : كلم والدي في شأني لأبيت معكم ، فكلمه فأذن له ، فبات معهم وجلس بمعزل عن الناس لصغره ، ثم أتاه بعد هدوء من الليل ، وجعل يده على رأسه ، ويدعو : جعل اللّه لنا فيك البركة ويكررها ، ثم جاء ليلة ثانية بزاوية سيدي محمد الصباغ « 2 » . ثم لازمه ، وصحبه ، وخدمه ، وهو مع ذلك على قراءته لم يتركها قط . فلما قرأ على أهل بلده سافر به والده إلى فاس ، فقرأ على مشايخها ، فحصل واستوفى مما عندهم في يسير من الزمان ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ « 3 » . ثم رجع إلى القصر بعلوم غزيرة ، فانتفع به الخاص والعام ، وظهرت بركته في الناس كبيرهم وصغيرهم ، ذكورهم وإناثهم ، لكون علمه نورانيا ربانيا . وتخرج به كثير من الخلق ، واستقل برياسة العلم والدين ، إماما متبوعا مسموعا ، وهو في خدمة شيخه ، ثم رفع اللّه همته وجذبه إليه ، وشغله به عما سواه ، ثم طمس وجوده [ وأخفاه ] أعن شهوده ، وشيخه في ذلك يربيه بالحال ، ويرقيه في مدارج الكمال . وكان يمتحنه كثيرا ، ويلقي عليه من أنواع المشاق ما لا يوصف ، ولا يقف له إلا من أيده اللّه تعالى يهذبه بذلك ، لاعتنائه به أكثر من غيره ، وصاحب الترجمة يثبت ويحمل كلما ألقي عليه لا يضعف .
--> ( أ ) ت ، س ، ن : وأفناه . ( 1 ) النساء : 100 . ( 2 ) توجد بالقطانين ، حي من أحياء القصر الكبير . ( 3 ) الحديد : 21 .